الشنقيطي

446

أضواء البيان

تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ) * أي أن تنساه . والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها ، لا بد أن يأتي ببدل خبر منها أو مثلها قوله تعالى : * ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) * ، وقوله هنا * ( بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ) * . وما زعمه المشركون واليهود : من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء ، وهو الرأي المتجدد ظاهر السقوط ، واضح البطلان لكل عاقل . لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة ، بل الله جل وعلا يشرِّع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين ، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة . فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم ، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة . كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه ، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه ، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء . لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له ، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح . وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا : * ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ) * وقوله : * ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * ، وقوله : * ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) * فقوله : * ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) * بعد قوله : * ( إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ) * يدل على أنه أعلم بما ينزل . فهو عالم بمصلحة الإنساء ، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة : المسألة الأولى لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلاً وشرعاً ، ولا في وقوعه فعلاً ، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد . لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن . والخطاب الثاني دلَّ على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ . فليس النسخ عنده رفعاً للحكم الأول . وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ :